الاثنين، 26 مايو 2008

عملية إعداد الوريث .. دراسة أمريكية


الدستور: أول وأخطر دراسة أمريكية عن جمال مبارك: "عملية إعداد الوريث"!!
منذ أيام قام جمال مبارك بزيارة فرنسا علي رأس وفد من الحزب الوطني الديمقراطي، ومن قبل زار الولايات المتحدة عدة مرات منها علني وسري، وفي الأيام القليلة الماضية كان شخصية أساسية من بين المتحدثين في المنتدي الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ.كل هذه التحركات لا تنبيء عن مجرد شخصية حزبية قيادية، ولكن عما هو أكبر من ذلك بكثير. إنها تحركات وأفعال تتناقض مع الأقوال والتطمينات. فعلي حين يؤكد الرئيس مبارك ونجله جمال مبارك أكثر من مرة أنه لا توجد لديهما نية في التلاعب بالنظام الجمهوري من خلال التوريث السلطة من الأب للابن، فإن الأفعال من ناحية أخري لا تتماشي مع هذه الأقوال. ولعل هذا التناقض لم يلفت نظر الرأي العام في مصر فقط ولكن في الخارج أيضاً، خصوصاً في الولايات المتحدة الأمريكية حليفة نظام الرئيس مبارك. لم تشهد الفترة الماضية عشرات المقالات والتحقيقات الصحفية في أمريكا عن جمال مبارك وصعوده المتزايد والمتوالي في المشهد السياسي المصري فحسب، ولكن شهدت أيضاً صدور أول دراسة وكتاب متكامل عن التوريث في مصر. الدراسة والكتاب أصدرهما «بيسون براونلي» الأستاذ المساعد في العلوم السياسية في جامعة تكساس الأمريكية، والاثنان صدرا حديثاً عن «كامبريدج برس».. الدراسة صدرت تحت عنوان «عملية إعداد جمال مبارك لوراثة السلطة» وكما هو واضح من العنوان فالدراسة مختصة بالتحديد بدور جمال مبارك في السياسة المصرية، وإعداده لوراثة السلطة من والده الرئيس مبارك. أما الكتاب فقد صدر تحت عنوان «السلطوية في عصر التحول للديمقراطية» وكما هو واضح يقوم باستعراض عدد من آخر معاقل الأنظمة المتسلطة والاستبدادية في عصر سقطت فيه الكثير من النظم المستبدة وتحولت للديمقراطية. وهنا يجري الكاتب مقارنات بين أربع دول هي مصر وماليزيا وإيران والفلبين، ودرجة استعدادها للتحول الديمقراطي. وبالطبع فإن الدراسة التي أجراها براونلي عن جمال مبارك هي الأهم نظراً ليس فقط لدرجة التحليل العميق فيها، وإنما أيضاً للمعلومات التي يكشف عنها لأول مرة، وهي لذلك أول دراسة أمريكية متكاملة عن التوريث في مصر ودور جمال مبارك في تحقيق هذا الهدف.يقول براونلي إن عملية تداول السلطة هي أهم التحديات التي تواجه بلاد العالم الثالث التي مازالت تعاني من الأنظمة غير الديمقراطية. وقد شهدت الفترة الأخيرة وبالتحديد منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في أوائل التسعينيات ظهور اتجاه لدي عدد من الأنظمة الديكتاتورية الجمهورية إلي توريث السلطة، وأغلب هذه الأنظمة إما أنظمة تعتمد علي أسلوب الحزب الواحد المهيمن علي السياسة في البلاد أو إما أنظمة بها أحزاب هيكلية مع حزب سلطة مهيمن بالتزوير في الانتخابات مثل مصر. وأغلب الحكام في هذه الأنظمة غير الديمقراطية أصبحوا لا يفضلون تعيين نائب رئيس جمهورية، كما كان معتاداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والسبب الرئيسي في ذلك هو خشية انقلاب نائب الرئيس علي الرئيس والإطاحة به، وغالباً ما يكون نائب الرئيس من الجيش وهو ما يساعده علي الانقلاب علي رئيس الجمهورية. ومن هنا ظهرت مشكلة تجتاح أغلب بلاد العالم الثالث غير الديمقراطية وهي مشكلة «ولي العهد» فمثلاً الرئيس مبارك منذ توليه السلطة لم يقم بتعيين أي نائب له، وعندما كان هناك اعتقاد سائد في مصر بأن المشير عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع هو الذي سيخلف الرئيس مبارك تمت الإطاحة به في 1989.ويقول براونلي إنه منذ بداية التسعينيات بدأت مجموعة من الحكام في الأنظمة غير الديمقراطية تلجأ لتعيين أبنائها في مراكز قيادية وتأهيلهم لوراثة السلطة وكان ذلك حلاً لمشكلة «ولي العهد» فهو حل من ناحية يضمن عدم وجود نائب قد ينقلب علي الرئيس، ويضمن من ناحية أخري استمرار هيكل النظام سائداً بعد وفاة الرئيس وعدم فتح أي ملفات تنال منه ومن فساده وأخطائه.ويكشف «براونلي» عن أن هذا الأسلوب - أسلوب توريث السلطة للابن - انتشر في عدد كبير من بلاد العالم في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا. في كوريا الشمالية انتقلت السلطة عام 1997 من كيم إيل سونج إلي نجله «كيم جونج إيل». وفي 2000 انتقلت السلطة من ديكتاتورية سوريا حافظ الأسد إلي الابن بشار الأسد وفي 2003 شهدت أذربيجان انتقال السلطة من الديكتاتور حيدر عالييف إلي نجله «إلهام» وفي توجو في أفريقيا في 2005 انتقلت السلطة من الديكتاتور آياديما إلي نجله فاور آياديما. وفي كل هذه النماذج يقوم الديكتاتور بجلب نجله من الخارج ويوليه منصباً قيادياً سواء في الحزب الحاكم أو في الحكومة. هذا ما حدث مع بشار الأسد مثلاً حينما استدعاه حافظ الأسد من لندن لسوريا، وأصبح بعدها أميناً عاماً للقيادة القطرية لحزب البعث السوري، وحدث مع إلهام عالييف عندما قام والده باستدعائه من روسيا وولاه منصباً قيادياً في الحزب والحكومة معاً وجعله عضواً في البرلمان وأكثر من هذا رئيساً للجنة الأوليمبية الرياضية القومية في أذربيجان، والتي تشبه المجلس الأعلي للرياضة في مصر.ويخلص من هذا «براونلي» إلي جوهر دراسته حيث يؤكد أن العالم العربي مرشح في الفترة القادمة لأن تنتشر فيه أنظمة «ولي العهد» أو التي تنتقل فيها السلطة من الأب للابن.في مصر أصبح الرئيس مبارك متقدماً في السن ونجله جمال مباك يحتل منصباً قيادياً في الحزب جعلته يمارس نفوذاً علي الدولة والحكومة والناس تقول عنه «الرجل الثاني» في الدولة. وفي اليمن قام الرئيس علي عبدالله صالح بتعيين ابنه أحمد قائداً للحرس الجمهوري، وفي ليبيا قام القذافي بإعداد نجله سيف الإسلام لتولي المهمات الرئيسية في الدولة. وقبل ذلك نجح بشار في أن يخلف والده حافظ الأسد في سوريا. وكان صدام حسين يقوم بإعداد نجليه عدي وقصي لوراثة السلطة. كل هذا في أنظمة تقول عن نفسها إنها جمهورية.ومن هذا المدخل الطويل ينتقل «براونلي» للحديث عن جمال مبارك ويقول إن مصر مرشحة لأن تتعرض للسيناريو السوري أو للسيناريو الأذربيجاني. ورغم أن الرئيس مبارك نفي في عام 2001 احتمال انطباق النموذج السوري علي مصر إلا أن هذا الاحتمال مازال قائماً واحتمال تعرض مصر للنموذج الأذربيجاني وارد أيضاً وبدرجة كبيرة.ويقول «براونلي» إنه لا يعرف بالتحديد منذ متي بدأ الرئيس مبارك في إعداد نجله جمال لدخول مجال العمل السياسي وتجهيزه لوراثة السلطة من بعده. ويضيف أنه بلاشك كان هناك تصميم منذ بداية تولي الرئيس مبارك الحكم علي عدم تعيين نائب له، وربما كان ذلك عائداً لما شاهده هو عندما كان نائباً لأنور السادات فقد كان هناك طامعون في منصبه، وحاولوا إزاحته خصوصاً من قادة الجيش الذين خاضوا حرب أكتوبر ورأوا أنهم جديرون عنه في تولي هذا المنصب. ولكن ربما كان الرئيس مبارك في تفكيره منذ البداية إعداد نجله في مرحلة لاحقة لخلافته ووراثة الحكم منه. وربما كان هذا - لا ذاك - صحيحاً، وأن تفكير مبارك في إعداد نجله «جمال» للسياسة قد جاء مدفوعاً ومتأثراً بالسيناريو السوري بالذات، خصوصاً أن حافظ الأسد كان ينوي تأهيل نجله «باسل» لوراثة الحكم من بعده، ولكن وفاة باسل في عام 1994 جعلته يستدعي بشار من لندن في ذلك العام، بينما كان جمال مبارك في لندن هو الآخر في تلك الفترة، ولكنه لم يعد منها تقريباً إلا عام 1996. وقد شاهد الرئيس مبارك صعود بشار في سوريا منذ 1994 فاستدعي نجله وقرر تكرار السيناريو السوري في مصر.وعلي أي حال - يقول براونلي - إن الشيء المؤكد أن الرئيس مبارك لم يفكر جدياً في إعادة جمال مبارك من لندن وإدخاله مجال العمل السياسي وإعداده لوراثته إلا بعد عام 1995، وبالتحديد بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في إثيوبيا عام 1995. تعرض مبارك لمحاولة اغتيال واحتمالات وجود فراغ في السلطة في حالة نجاح المحاولة جعلته يفكر جدياً في إرجاع جمال مبارك من لندن. وهكذا وبعد 7 سنوات قضاها جمال مبارك وهو يعمل في بنك «أوف أمريكا» في لندن عاد إلي مصر في منتصف التسعينيات «حوالي 1995-1996» وبسرعة بدأ في تنفيذ الأجندة التي أعدها والده له. وبدأت الخطوات الجادة نحو تنفيذ هذه الأجندة عندما وصل الرئيس مبارك 70 عاماً في عام 1998، وقبل عام واحد من نهاية فترة ولايته الثالثة في 1999.وكان المدخل التمهيدي لجمال مبارك هو العمل الخيري التطوعي من خلال ما يسمي بمؤسسة المستقبل «فيوتشر فوينديشن» وعلي غرار مؤسسة المستقبل التي أسسها رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان في بلاده. كانت هذه مجرد خطوة لإدخال جمال مبارك مجال العمل العام حيث لا يستحب إدخال مجال العمل السياسي مباشرة بدون مقدمات. وبسرعة الصاروخ بدأ ينتشر ويظهر نجم جمال مبارك بينما لم يكن هناك أي ظهور تقريباً لأخيه الأكبر «علاء» الذي اتخذ اتجاها انعزاليا لحد ما. وفي صيف 1999 بدأ ترويج شائعات بأن جمال مبارك ينوي تكوين حزب باسم المستقبل كبديل للحزب الوطني وبدا كما لو كان هناك خلاف أو عدم استقرار بين الوالد و«النجل» حول أنسب وسيلة لإقحامه في مجال العمل السياسي وتنفيذ الأجندة المتفق عليها بينهما. وتم الاستقرار في النهاية علي أن يصعد جمال مبارك من داخل الحزب الوطني ومصحوباً بعدد من رجال الأعمال المقربين له في الفكر والتوجه. وانتهز جمال مبارك فرصة الإخفاق الكبير لرجال الحرس القديم في إدارة انتخابات 2000 وبدأ يزيد من دوره وهيمنته وأصبح عضواً في لجنة لإصلاح الحزب الوطني. ثم سار السيناريو كما هو معروف بدءاً من مؤتمر سبتمبر 2002 الذي تم فيه رفع شعار «الفكر الجديد» الذي كان يعني خلق قيادات وجيل جديد داخل الحزب تدين بالولاء لجمال مبارك. وقد تبينت حقيقة الهدف من هذا الفكر الجديد عندما لم يقم الحزب بأي إصلاحات سياسية علي مدار السنوات التي تلت 2002 وحتي الآن ولم يعد يعرف ما هذا الفكر الجديد بعد أن استنفد أغراضه في الترويج لجمال مبارك وتركيبه علي منصة الانطلاق نحو وراثة السلطة. ثم سار السيناريو بعد ذلك حسب أجندة الوالد والابن فتم شلح عدد من قيادات الحرس القديم وفي يوليو 2004 نجحت أمانة السياسات التي أصبحت الذراع التنفيذية لجمال مبارك في تكوين حكومة برئاسة أحمد نظيف تضم 8 أعضاء من هذه الأمانة.ويواصل «جيمس براونلي» تحقيقه فيقول منذ 2004 بدأ جورج بوش الرئيس الأمريكي يضغط علي مصر والسعودية للتحول نحو الديمقراطية وهنا تعطل سيناريو التوريث بعض الشيء ولكن مبارك - كما يقول براونلي - نجح في التلاعب ببوش. فبدلاً من الاستجابة لمطالب المعارضة بالإصلاح السياسي الشامل، خصوصا وضع سقف لفترات تولي الرئاسة إذا به يفاجئ الجميع بتعديل المادة 76 يوم 26 فبراير 2005 وفي حضور نجله جمال مبارك وهو جالس أمامه في جامعة المنوفية ولا يعرف ما إذا كان الاثنان قد رتبا هذا التعديل معاً ولكن الشواهد تدل علي ذلك وكما جري فيما بعد. وقامت المعارضة بمقاطعة الاستفتاء علي هذا التعديل في 25 مارس بعدما تبين أن التعديل جاء لخدمة مشروع التوريث. وفي هذا الخضم من تدابير التوريث ظهرت عقبة أخري أمام أجندة الوالد والابن في عملية إعداد ولي العهد الوريث وهي ما تعرف بقضية أيمن نور.ويقول «براونلي»: كان أيمن نور شخصية سياسية مقاربة في العمر تقريباً لعمر جمال مبارك ولكن أيمن نور دخل مجال العمل السياسي قبل جمال مبارك بمراحل وتبني التفكير الليبرالي وله كتاب بعنوان «الليبرالية هي الحل» ونجح في دخول البرلمان عام 1995. وازداد لمعان أيمن نور بعد أن نجح في تكوين حزب باسم الغد. ورغم أن لجنة شئون الأحزاب تعنتت بشدة في الموافقة علي حزبه إلا أنها وقبل أن يحصل علي حكم لصالحه بتكوين الحزب عادت ووافقت فجأة علي الحزب في أكتوبر 2004 وهو الأمر الذي أثار الريبة فيما بعد من هذا القرار المفاجئ. وهكذا أصبح أيمن نور منافساً رئيسياً لجمال مبارك وعقبة في وجه عملية إعداد ولي العهد الوريث. ولذلك تقرر توجيه ضربة قاضية لطموحات أيمن نور ففي 29 يناير 2005 تم القبض عليه من داخل البرلمان المصري وبصورة أدانتها برلمانات العالم كله وبتهمة تزوير في 2005 توكيل من توكيلات حزبه. وتم اطلاق سراحه في 13 مارس لتتكفل بعدها الأجهزة الأمنية بتدمير الحزب من الداخل. ويقول «براونلي» إنه حصل علي معلومات مؤكدة بأن بعض أعضاء حزب الغد كانوا في الأصل مدفوعين من الحزب الوطني لتخريب حزب أيمن نور من الداخل وكانوا يتلقون مقابل ذلك أموالاً من الحزب الحاكم. ورغم أن «نور» جاء الثاني بعد حسني مبارك في الانتخابات الرئاسية التي جرت في سبتمبر 2005 حيث حصل علي 57،7% من الأصوات ومتفوقاً علي رئيسه القديم في حزب الوفد نعمان جمعة الذي حصل فقط علي 93،2% بينما حصل مبارك علي 57،88%، إلا أن هذا الانجاز سبب له مشاكل عويصة بدءاً من زيادة تدخل الأجهزة الأمنية في أمور الحزب، ثم إسقاطه في انتخابات مجلس الشعب في 9 نوفمبر 2005 وكل هذه خطوات أكدت اصرار النظام الحاكم علي استبعاده من مجال العمل السياسي وإقصائه نهائياً لحساب سيناريو التوريث بين الأب والابن. وفي 24 سبتمبر 2005 قام القاضي عبدالسلام جمعة - وهو قاض كما يقول «براونلي» مشهور بحكمه ضد عالم الاجتماع سعد الدين إبراهيم والذي تم نقضه فيما بعد - بالحكم 5 سنوات ضد أيمن نور. وقد وافقت محكمة النقض علي الحكم بتاريخ 18 مايو 2006 رغم أن الحكومة وافقت في البداية وبصورة متعجلة مفاجئة من خلال لجنة شئون الأحزاب علي الحزب ورغم أن أحد الشهود قال إنه تعرض للتعذيب لكي يشهد ضد نور.ولكن وهو الأهم جاء الحكم ضد أيمن نور لكي يزيل منافسا علمانيا لا ينتمي لتيارات إسلامية متطرفة من أمام جمال مبارك وباعتبار أن نور كان يمكن أن يكون منافساً قوياً في أي انتخابات رئاسية مستقبلية ضد جمال مبارك. ويعتقد «براونلي» أن جمال مبارك هو الذي قام بسيناريو إقصاء أيمن نور بالكامل مع بعض الأجهزة.ثم يسير «براونلي» بعد ذلك ويقول إن انتخابات مجلس الشعب التي تم فيها إسقاط أيمن نور شهدت أيضاً نجاح عدد كبير من الإخوان المسلمين حازواً علي 20% من المقاعد، وكان مبارك يريد من ذلك إعطاء الإنطباع للولايات المتحدة أنه لا يوجد بديل له سوي التيارات الإسلامية المتطرفة، لقد كانت رسالة مبارك للأمريكان «إما نحن وإما هم».وكان هذا هو رد مبارك علي بوش: إذا كنت تريد التغيير فهذا هو نتيجة التغيير، لقد حقق مبارك ونجله من وراء هذه الخطوة أكبر المكاسب فقد نجحا في تخويف الأمريكان من الخطر الإسلامي لدرجة أن كبار أعضاء إدارة بوش مثل كوندليزا رايس كانوا يشيدون بنزاهة انتخابات 2005 وتناسوا قضية أيمن نور تماماً، وهكذا خلت الساحة تماماً أمام جمال مبارك للفوز في أي انتخابات رئاسية وهمية علي الطريقة الأذربيجانية التي تولي فيها «إلهام» نجل الديكتاتور عالييف رئاسة أذربيجان عام 2003.في فبراير 2006 أصبح جمال مبارك واحداً من ثلاثة مساعدين لأمين عام الحزب صفوت الشريف، وفي الشهر الذي تلاه تمت استضافته في برنامج في التليفزيون المصري لمدة ساعتين وأثناء الحوار تهرب من سؤال عن التوريث، بينما أكد واعترف أنه تعلم كثيراً من مراقبة والده وهو يحكم طوال العقود الماضية. ثم قام جمال مبارك بزيارة أمريكا سراً في مايو 2006 ويقول «براونلي» يبدو أن الإدارة الأمريكية في هذه الزيارة أعطت موافقتها الضمنية علي أن يصبح مبارك الصغير رئيس المستقبل بعد أن تقابل مع نائب الرئيس ديك تشيني ـ مستشار الأمن القومي ستيف هادلي ـ وقد أثارت هذه الزيارة فزع المعارضة التي رأت فيها خطوة تكشف تناقض الأفعال مع الأقوال، فزيارة واشنطن سراً تكشف عن دور لجمال مبارك أكبر بكثير مما يدعيه وتؤكد سيناريو التوريث، كان جمال مبارك في هذه اللحظة أشبه برئيس في حالة انتظار أو رئيس غير معلن أو غير متوج وفي المؤتمر السنوي للحزب في سبتمبر 2006 قال حسام بدراوي أحد الملتفين حول جمال مبارك من الجيل الجديد إن الحزب سيرشح جمال مبارك للرئاسة في 2011.وعبر عام طويل وحتي 26 مارس 2007 واصل نجم جمال مبارك الصعود، بينما تم تجريف الحقول السياسية المصرية من أي منافس يمكن أن يقف أمامه في أي منافسة مستقبلية، ويقول براونلي إنه في العام 2006 و2007 لم يقترب أحد من السلطة وكرسي الرئاسة منذ خروج المشير أبوغزالة من دائرة صنع القرار عام 1989 مثل جمال مبارك، وفي 26 مارس 2007 جري استفتاء علي تعديل 34 مادة من الدستور، وكانت كلها تعديلات عبارة عن خليط من الإصلاحات المزيفة والقيود الخطيرة التي سببت انتكاسة لاستبداد لما قبل 2004، وكان الهدف الأسمي لهذه التعديلات هو إقصاء الإخوان المسلمين، وتثبيت الحزب الحاكم في السلطة حتي بعد رحيل مبارك وبما يكشف عن هدف التوريث، وهنا يبرز من جديد السيناريو الأذربيجاني، حيث كان قد قام الديكتاتور حيدر عالييف بتعديل الدستور بعام قبل وفاته في 2003 وقصر الترشيح لمنصب الرئاسة علي حزبه وعدد من الأحزاب الشكلية وقبل أن يموت ترشح نجله «إلهام» للرئاسة وتولي السلطة، وقد تندر المصريون كثيراً عندما تزوج جمال مبارك في 4 مايو 2007 «عيد ميلاد والده الـ79» وقالت جميلة إسماعيل زوجة أيمن نور تعليقاً علي ذلك: «الزواج هو الفصل الأخير قبل أن يسدل الستار ويتولي جمال مبارك الرئاسة»، كما كتب الشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم قصيدة سماها «عريس الأمة».وقد شهد باقي عام 2007 المزيد من التغييرات الهيكلية في الحزب الحاكم لصالح جمال مبارك، علاوة علي المزيد من القمع الأمني للمعارضة، وفي أواخر أغسطس انتشرت الشائعات حول صحة الرئيس، وكان من ضمن الشائعات أن جمال مبارك كان يحل محل والده في جميع الاجتماعات الرئيسية، واستغلت الحكومة هذه الشائعات لكي تمارس المزيد من القمع ضد حرية الصحافة والتعبير.ويختتم «براونلي» بمؤتمر الحزب التاسع في سبتمبر 2007 حيث تم تكوين هيئة عليا شملت حوالي 45 اسماً يمكن اختيار شخص من بينهم لكي يكون مرشح الحزب في انتخابات الرئاسة عام 2011 وعلي رأس هؤلاء بالطبع جمال مبارك، ورغم أن هناك قيادات في الحزب يمكنها أن تحل محل مبارك، إلا أن ذلك مستحيل في وجود جمال مبارك.ويستبعد «براونلي» تدخل الجيش معارضاً لجمال مبارك علي أساس أن دور الجيش تراجع كثيراً في السياسة المصرية بعد أن أصبحت وزارة الداخلية هي المتعهد الرئيسي لتزوير الانتخابات وضرب المظاهرات والأنشطة المعارضة، ولذلك يمكن القول إن مصر الآن دولة بوليسية وليست ديكتاتورية عسكرية، كما كان في الماضي، خصوصاً بعد أن تخطت أعداد الأمن المركزي أعداد الجيش وحيث تصل التقديرات إلي أن الأمن المركزي يبلغ تعداده نصف مليون مجند، وربما أكثر، ويقول براونلي إن دور الجيش تراجع بعد السلام مع إسرائيل ثم ازداد هذا التراجع بعد اقصاء أبوغزالة وأصبح دوره هو حفظ الاستقرار، علاوة علي ذلك ـ يضيف براونلي ـ لا يوجد ما يمنع أن يتعاون جمال مبارك كرئيس في المستقبل مع الجيش خصوصاً إذا كان وجود جمال مبارك في الحكم شرطاً لأن تواصل أمريكا تقديم معوناتها العسكرية السنوية لمصر والتي تصل إلي 7،1 مليار دولار، كما يتنبأ «براونلي» بأن يحافظ جمال مبارك علي الدولة البوليسية التي خلقها والده من خلال تأمين احتياجات وزارة الداخلية وجهاز الشرطة.وينتهي «براونلي» إلي أن سيناريو التوريث الذي توشك مصر علي الدخول إليه قد يسير حسب النموذج الأذربيجاني أو النموذج السوري أو قد يكون نموذجاً قائماً بذاته في عمليات الخلافة السياسية بالوراثة التي تجتاح الأنظمة الديكتاتورية الجمهورية في العالم الثالث.ويؤكد «براونلي» أن سيناريو توريث السلطة في مصر لجمال مبارك قادم قادم ولو لم يكن هذا هو المؤكد لكان مبارك قد فكر منذ فترة طويلة في تأهيل أي من القيادات حوله لنقل السلطة إليه مثلما فعل جوموكينياتا رئيس كينيا ونقل السلطة لنائبه دانييل آراب موي في 1978 أو مثلما سلم بوريس يلتسين السلطة لفلاديمير بوتين في 2000.ويقول «براونلي» إن طول عمر مبارك وطول بقائه في السلطة علي عكس سابقيه قد يدخل مصر في مخاطر لا تحتمل فقد ينفجر موضوع التوريث ويفشل بفعل توترات اجتماعية مثلما حدث في باراجواي في أمريكا اللاتينية عندما نجحت المعارضة المدنية في افشال مخطط الرئيس العسكري «الفريدو استروسينر» في توريث السلطة لابنه مستغلة التدهور الاجتماعي والاقتصادي.ولكن يقول «براونلي» إن الوضع المصري يختلف وبه تماسك كبير وكون أن الجيش والأجهزة الأمنية حتي الآن لم يبديا أي اعتراض علي ذلك الصعود الصاروخي لجمال مبارك في سلم السلطة معناه بوضوح أنهما لم يقبلا سيناريو التوريث فحسب، ولكنهما يُستخدمان برضاهما في تسهيل هذا السيناريو أيضاً، الخلاصة أن امتناع حسني مبارك علي مدار أكثر من ربع قرن عن تعيين أي نائب له معناه بوضوح لكل من له عينان لايريد أن يري بهما أن مبارك كان ينوي منذ فترة طويلة توريث السلطة لنجله وليس هذا فحسب، بل إنه نجح حتي الآن في أن يجعل نجله موضع إجماع بين أغلبية الصفوة السياسية المهتمة بمصالحها ومستقبلها الخاص ولا تعير أي التفات لأي تذمر محلي يعبر عن خوفه من العودة لعهد الأسرات الحاكمة.

ليست هناك تعليقات: